غرينلاند: احتياطيات ضخمة من المعادن النادرة تثير صراعًا جيوسياسيًا على القطب الشمالي.

هل يمكن شراء جزيرة غرينلاند؟ سؤال يتردد صداه في الأروقة السياسية والاقتصادية، بعد تصريحات أمريكية حول إمكانية استحواذ الولايات المتحدة على هذه الجزيرة القطبية، لكن هل يمكن تحديد سعر عادل لغرينلاند؟ هذا ما يشغل بال الكثيرين، خاصة مع تعقيدات القيمة الحقيقية للإقليم.
تحديات تقييم غرينلاند: هل يمكن تحديد سعر عادل؟
محاولات تحديد سعر عادل لجزيرة غرينلاند تواجه صعوبات جمة؛ فبخلاف التصريحات الرسمية الدنماركية الرافضة للبيع من الأساس، تبرز إشكالية كيفية تقييم إقليم يتمتع بحكم ذاتي، ولا توجد سابقة واضحة لبيع الدول، فـ”لا توجد سوق لبيع وشراء الدول” كما صرح نيك كونيس، كبير الاقتصاديين في بنك (إيه.بي.إن أمرو) الهولندي؛ مما يعني غياب إطار عمل متفق عليه لتقييم الدول، فضلًا عن أن المقارنات التاريخية لا تقدم حلولًا عملية، فمحاولة الولايات المتحدة شراء غرينلاند عام 1946 مقابل 100 مليون دولار (ما يعادل 1.6 مليار دولار اليوم) لا تصلح للمقارنة؛ بسبب التغيرات الاقتصادية الهائلة التي طرأت على الولايات المتحدة والدنمارك على مدى العقود الماضية.
كما أن صفقات أخرى مثل شراء لويزيانا أو ألاسكا لا تعتبر مرجعًا دقيقًا؛ لأن فرنسا وروسيا كانتا راغبتين في البيع، فالحقيقة الأكثر وضوحا هنا هي أن كلا من فرنسا وروسيا اختارتا البيع؛ فالمسألة تتجاوز مجرد تحديد قيمة الأصول، لتشمل رغبة الطرفين في إتمام الصفقة، ثم كيف يمكن ترجمة قيمة تلك الصفقات القديمة إلى أرقام معاصرة، مع الأخذ في الاعتبار التضخم، وارتفاع أسعار الأراضي، والنمو الاقتصادي؟ كل هذه المتغيرات تزيد من تعقيد مهمة تحديد سعر عادل لغرينلاند.
غرينلاند كشركة: هل هذا ممكن لتحديد سعرها؟
إذا افترضنا جدلًا أننا سنعامل غرينلاند كشركة قابلة للاستحواذ، فسنواجه تعقيدات أخرى؛ فالناتج المحلي الإجمالي لغرينلاند، البالغ 3.6 مليار دولار في 2023، يبدو ضئيلًا مقارنة باقتصاديات أخرى؛ فما هو المضاعف المناسب الذي يمكن استخدامه لتقدير قيمة الجزيرة بناءً على هذا الرقم؟ ثم كيف يمكن تجاهل حقيقة أن الإعانات الدنماركية تغطي نصف ميزانية غرينلاند، وتمول الخدمات الأساسية مثل المستشفيات والمدارس؟ كل هذه العوامل تؤثر بشكل كبير على تقييم غرينلاند، وتجعل تحديد سعرها أمرًا بالغ الصعوبة.
في هذا السياق، يمكننا طرح بعض الأسئلة الجوهرية التي تحتاج إلى إجابة دقيقة قبل المضي قدمًا في أي تقييم:
- ما هي قيمة الأصول الحقيقية لغرينلاند؟
- كيف يمكن تقييم الأهمية الاستراتيجية للإقليم؟
- ما هو التأثير المحتمل لعملية البيع على شعب الإنويت؟
| العنصر | القيمة التقديرية |
|---|---|
| احتياطيات المعادن والطاقة | مئات المليارات من الدولارات |
| الناتج المحلي الإجمالي (2023) | 3.6 مليار دولار |
المعادن والطاقة في غرينلاند: هل تحدد سعر البيع؟
بالرغم من نفي الإدارة الأمريكية تركيزها على ثروات غرينلاند المعدنية والطاقة، إلا أن تقارير تشير إلى مناقشات حول الاستحواذ على حصة في شركة (كريتيكال ميتالز كورب)؛ فتشير التقديرات إلى أن قيمة احتياطيات غرينلاند من المعادن والطاقة تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، ويكفي أن مسحًا أُجري عام 2023 كشف عن وجود 25 معدنًا من أصل 34 معدنًا تعتبرها المفوضية الأوروبية “مواد خام نادرة” في الجزيرة، ومع ذلك، تظهر هنا عقبات أخرى، فأولًا، يُحظر استخراج النفط والغاز الطبيعي في غرينلاند لأسباب بيئية، وثانيًا، يعاني قطاع التعدين من تعقيدات إدارية ومعارضة السكان الأصليين.
هل يعني ذلك أن هذه القيود السياسية يجب أن تنعكس على سعر غرينلاند؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو حجم الخصم المناسب؟ علاوة على ذلك، فإن صفقات التعدين والطاقة لا تتضمن عادة نقل السيادة الوطنية، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع في غرينلاند؛ بسبب وجود شعب الإنويت الذي يطالب بحقوق الملكية؛ فـ “لأنك تضيف مفاهيم غير ملموسة تتعلق بثقافة الشعوب الأصلية وتاريخها، فلن تستطيع فعل ذلك.. لا توجد طريقة لتسعيرها… ولهذا تبدو تلك الفكرة سخيفة” كما صرح أندرياس أوستهاجن، مدير الأبحاث لسياسات القطب الشمالي والمحيطات في معهد فريتيوف نانسن في النرويج.
ويبقى السؤال: هل يمكن تحديد سعر عادل لغرينلاند في ظل هذه التعقيدات؟ يبقى هذا السؤال مفتوحًا، في ظل تضارب المصالح، وغياب معايير واضحة للتقييم.



