المرأة والطفل

لماذا لا تشعر بالبرد؟ علماء المناخ يكشفون أسباب تباين إحساسنا بالطقس

لماذا يختلف الإحساس بالبرد بين الناس؟ سؤال يطرح نفسه مع قدوم كل شتاء، فبينما يرتجف البعض من أقل نسمة هواء بارد، يستمتع آخرون بالطقس وكأنه ربيع معتدل؛ هذا الاختلاف المحير لا يتعلق فقط بالطقس، بل بآليات معقدة داخل أجسامنا تتحكم في شعورنا بالحرارة والبرودة.

كيف يؤثر “محرك الحرارة الداخلي” على الإحساس بالبرد؟

تبدأ رحلة الإحساس بالبرد مع خلايا عصبية دقيقة تحت الجلد، ترسل إشارات سريعة للمخ عند انخفاض الحرارة، هذا ما يعرف بـ “نظام الإنذار الخارجي”؛ لكن الأمر لا يتوقف هنا، فقد اكتشف العلماء نوعًا آخر من المستقبلات العصبية في أعماق الجهاز العصبي، قرب الحبل الشوكي، هذه المستقبلات لا تتأثر بالجو الخارجي مباشرة، بل تستجيب لتغيرات كيميائية داخل الجسم، فهي تراقب إشارات الهرمونات والبروتينات التي تحدد درجة حرارة الجسم الفعلية؛ لهذا السبب، قد يشعر شخصان في نفس المكان بأحاسيس مختلفة تمامًا تجاه البرد.

هل يمكن خداع الإحساس بالبرد؟ المنثول كمثال

علماء الأعصاب درسوا تأثير بعض المواد على مستقبلات البرودة، واكتشفوا أن المنثول، المستخلص من النعناع، قادر على خداع الدماغ؛ فعندما يتعرض المنثول لتلك المستقبلات، فإنه يرسل إشارات مشابهة لتلك الناتجة عن انخفاض الحرارة، مما يخلق شعورًا بالانتعاش والبرودة؛ لهذا السبب يستخدم المنثول في مستحضرات التجميل والمراهم التي تمنح إحساسًا بالبرودة السريعة، هذه الخدعة العصبية تفسر لنا كيف يمكن لمادة أن تجعلنا نشعر بالبرد حتى في الأجواء الدافئة.

الجينات والإحساس بالبرد: هل تلعب الوراثة دورًا؟

أظهرت دراسات حديثة أن العوامل الوراثية قد تحدد مدى تحملنا للإحساس بالبرد، فبعض الأشخاص يفتقدون بروتينًا عضليًا يسمى ألفا أكتينين-3، وهو المسؤول عن سرعة ارتعاش العضلات عند انخفاض الحرارة؛ غياب هذا البروتين يبطئ إنتاج الحرارة في العضلات، مما يمنح هؤلاء الأشخاص قدرة أكبر على مقاومة الإحساس بالبرد دون الارتجاف المستمر، يعتقد الباحثون أن هذه الطفرة الجينية ظهرت منذ آلاف السنين عندما هاجر الإنسان إلى المناطق الباردة، وكانت ميزة تطورية للبقاء على قيد الحياة في المناخات المتجمدة.

الرياضة وتأثيرها على الإحساس بالبرد

تلعب اللياقة البدنية دورًا هامًا في تنظيم حرارة الجسم، فالأشخاص الذين يمارسون الرياضة بانتظام، خاصة في الصباح، يتمتعون بدورة دموية أكثر كفاءة تساعد على توزيع الحرارة داخليًا، مما يجعلهم أقل عرضة للإحساس بالبرد، في المقابل، يعاني الأشخاص الذين لا يتحركون كثيرًا من ضعف الدورة الدموية، مما يجعل أطرافهم باردة باستمرار حتى وإن كانت حرارة أجسامهم طبيعية، لذا ينصح الخبراء بالتحرك أو القيام بتمارين بسيطة للحفاظ على تدفق الدم إلى اليدين والقدمين في الأجواء الباردة؛ الرياضة هي حليف قوي لمقاومة الإحساس بالبرد.

الهرمونات والمزاج: عوامل مؤثرة في الإحساس بالبرد

التغيرات الهرمونية، خاصة لدى النساء خلال سن اليأس أو الدورة الشهرية، يمكن أن تسبب اضطرابًا في إحساس الجسم بالحرارة، فارتفاع أو انخفاض بعض الهرمونات يؤثر على المراكز العصبية المسؤولة عن التنظيم الحراري، مما يفسر نوبات “الحرارة المفاجئة” أو الشعور بالإحساس بالبرد دون سبب، الحالة النفسية أيضًا تلعب دورًا هامًا؛ فالقلق أو الاكتئاب قد يغير من استجابة الجهاز العصبي، مما يجعل بعض الأشخاص أكثر حساسية للإحساس بالبرد من غيرهم.

متى يكون ضعف الإحساس بالبرد علامة مرضية؟

في بعض الحالات، قد يشير ضعف الإحساس بالبرد إلى خلل في الأعصاب الطرفية أو مشاكل هرمونية مثل قصور الغدة الدرقية أو فقر الدم؛ هذه الحالات تضعف قدرة الجسم على إرسال إشارات دقيقة للدماغ حول درجة الحرارة، مما يجعل الشخص يبدو غير متأثر بالجو المحيط، يحذر الأطباء من تجاهل هذه الظاهرة إذا كانت مصحوبة بتغير في الإحساس أو خدر في الأطراف، لأنها قد تكون مؤشرًا مبكرًا على اضطراب عصبي أو استقلابي.

كيف يستفيد الطب من فهمنا للإحساس بالبرد؟

يسعى العلماء اليوم إلى استخدام مستقبلات البرودة العصبية في تطوير علاجات جديدة للألم المزمن؛ بعض الكريمات التي تحتوي على مركبات تشبه الكابسيسين، المكون الحار في الفلفل، تستخدم لتقليل الإحساس بالألم عن طريق إشغال نفس المستقبلات العصبية المسؤولة عن الإحساس بالحرارة؛ إذا تمكن الباحثون من فهم آلية عمل مستقبلات البرودة في الحبل الشوكي بشكل كامل، فقد يفتح ذلك الباب أمام علاج إصابات الأعصاب المزمنة وتنظيم الإحساس بالألم والحرارة لدى المرضى، هذه الاكتشافات تحمل في طياتها آمالًا كبيرة.

العامل التأثير على الإحساس بالبرد
الوراثة تحديد مدى تحمل البرد من خلال بروتين ألفا أكتينين-3
اللياقة البدنية تحسين الدورة الدموية وتوزيع الحرارة في الجسم
الهرمونات التغيرات الهرمونية تسبب اضطرابًا في الإحساس بالحرارة
  • ممارسة الرياضة بانتظام لتحسين الدورة الدموية.
  • تناول الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية لتعزيز صحة الجسم.
  • الحفاظ على وزن صحي للمساعدة في تنظيم حرارة الجسم.

فهمنا للإحساس بالبرد يتجاوز مجرد معرفة أسباب ارتعاشنا في الشتاء؛ إنه يفتح لنا نافذة على آليات معقدة داخل أجسامنا، وكيف يمكن لهذه الآليات أن تتأثر بعوامل مختلفة، من الجينات إلى الهرمونات، وصولًا إلى حالتنا النفسية؛ هذه المعرفة لا تساعدنا فقط على فهم أنفسنا بشكل أفضل، بل تفتح آفاقًا جديدة في عالم الطب وعلاج الألم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى